خيط الدم الأخير خيط الدم الأخير خيط الدم الأخير خيط الدم الأخير
تفاصيل العمل

كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل في ورشة "العم منصور" القديمة لصناعة الجلود. كان منصور، الذي اشتعل رأسه شيباً، يحاول إنهاء آخر قطعة جلدية لزبون غامض دفع ثمنها مسبقاً وبسعرٍ خيالي. لم تكن القطعة عادية؛ كانت غمدًا لخنجرٍ أثري، والجلد المستخدم كان خشناً وغريباً، لا يشبه جلود الماشية التي اعتاد التعامل معها طوال أربعين عاماً. ​في الركن المظلم من الورشة، كان ابنه الشاب "صخر" يراقبه بعينين يملؤهما الحقد والضيق. صخر، الذي أدمن القمار وخسر كل ما يملك، كان يرى في هذا الغمد وسيلة لخلاصه. كان يعتقد أن والده يخبئ المال الذي تقاضاه في الصندوق الخشبي القديم تحت طاولة العمل. ​"أبي، ألم يحن الوقت لترتاح؟" قال صخر بنبرةٍ حاولت أن تبدو هادئة، لكن ارتعاش يديه فضحه. ​لم يرفع منصور رأسه عن عمله. "هذا الغمد يجب أن يكتمل الليلة يا صخر. صاحب الخنجر لا يرحم، والدم الذي يسكن هذا الجلد يطالب بالعودة إلى بيته." ​سخر صخر في سره من خرافات والده. فجأة، انطفأت شمعة الورشة الوحيدة بفعل تيار هواء مجهول المصدر. ساد صمت مطبق، لم يقطعه سوى صوت احتكاك المعدن بالجلد. في تلك اللحظة، استل صخر سكيناً صغيراً كان يخفيه خلف ظهره، وانقض على والده في العتمة، موجهاً طعنة عشوائية نحو الظهر الذي انحنى لسنوات من أجله. ​صرخة مكتومة مزقت سكون الليل، تبعها صوت سقوط جسد ثقيل على الأرض. ​ارتجفت يدا صخر وهو يشعل الشمعة من جديد. كان يريد المال فقط، لم يخطط لهذا.. هكذا أقنع نفسه. لكن الصدمة جمدت أطرافه حين رأى المشهد؛ لم يكن والده هو من سقط. كان هناك شخص غريب، يرتدي ثياباً سوداء كأنه جزء من الظل، والسكين مغروز في صدره. ​لكن المأساة لم تنتهِ هنا. التفت صخر ليرى والده منصور واقفاً، ممسكاً بالغمد الذي انتهى لتوه، لكن يده كانت تنزف بغزارة. لقد استخدم منصور دمه ليروي الجلد الجاف لينهي القطعة في الوقت المناسب، كما تقتضي أسطورة هذا الغمد المشؤوم. ​"لقد قتلت الحارس يا بني.." قال منصور بصوتٍ واهن والدم يتقطر من يده ليصبغ أرضية الورشة باللون القاني. "وهذا الغمد لا يقبل إلا تضحية كاملة." ​وقبل أن يستوعب صخر ما يحدث، انزلق الخنجر الأثري من يد الرجل الغريب الميت ليسقط بحدة مذهلة فوق قدم صخر، قاطعاً شرياناً رئيسياً. انهار صخر إلى جانب والده، وبدأ الاثنان يغرقان في بركة من الدماء التي امتزجت ببعضها البعض، بينما كان الغمد الجلدي يتشرب الدم ببطء، ويتحول لونه من البني الشاحب إلى الأحمر المتوهج، وكأنه عاد للحياة أخيراً. ​انتهت الليلة، وبقيت الورشة صامتة، لا يملؤها سوى رائحة الحديد ورؤية غمدٍ يلمع في الظلام، ينتظر صاحبه القادم.

شارك
بطاقة العمل
تاريخ النشر
منذ 3 ساعات
المشاهدات
3
المستقل
طلب عمل مماثل
شارك
مركز المساعدة